رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حكم زيارة القبور في يوم العيد
- رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حكم زيارة القبور في يوم العيد
- بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
- مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
- رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حكم زيارة القبور في يوم العيد
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
– إن زيارة القبور مندوب إليها مطلقًا، فهل يدخل يوم العيد في هذا الإطلاق، فيكون من جملة الأوقات المستحب فيها الزيارة ؟
أم أنه يُستثنى من هذا العموم، فتكون الزيارة فيه مكروهة أو بدعة؟
هنا افترق الفقهاء المعاصرون على مذهبين رئيسيين، لكل منهما حججه وأدلته، وسنعرضهما بأدلتهما ثم نناقش أوجه الترجيح.
المذهب الأول: مشروعية الزيارة واستحبابها في الأعياد
– ذهب جمع من العلماء والمحققين إلى أن زيارة القبور في يوم العيد داخلة في عموم الأمر المطلق بالزيارة، بل إنها قد تكون أفضل وأكثر استحبابًا من غيرها؛ لأنها أيام مباركة يلتمس فيها مزيد الفضل من الله، وفيها تجتمع الأسر، وتصفو النفوس، فتكون فرصة سانحة لصلة الموتى بالدعاء والاستغفار، وهو لون من ألوان البر والصلة التي لا تنقطع.
وقد عبّرت دار الإفتاء المصرية عن هذا المذهب في فتوى مطولة ومحررة للأستاذ الدكتور شوقي إبراهيم علام، وهذا نصها كاملًا:
زيارة المقابر مندوب إليها في جميع الأوقات؛ لأن الأمر بها جاء مطلقًا، فشمل ذلك جميع الأوقات، وتزيد أفضلية زيارتها في الأيام المباركة التي يلتمس فيها مزيد العطاء من الله تعالى، ومنها أيام العيدين؛ لما في ذلك من استشعار معاني الصلة والبر، والدعاء بالرحمة والمغفرة لمن توفي من الأهل والأقارب، ولْيُراعَ عدم تعمد إثارة الأحزان، وعدم التلفظ بألفاظ الجاهلية والاعتراض المنهي عنهما”.
ويستند هذا المذهب إلى جملة من الأدلة والاعتبارات الشرعية والأصولية القوية:
● أولًا: التمسك بإطلاق الأمر النبوي
وهو أقوى الأدلة، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «زُورُوا الْقُبُورَ»، ولم يقل: زوروها إلا في يوم عيد، أو لا تزوروها في يوم فرح. فالأمر بالزيارة مطلق، وتقييده بيوم ما أو حال ما يعد تخصيصًا للعام وتقييدًا للمطلق، وهذا لا يجوز إلا بدليل صحيح صريح. وكما أن الأمر مطلق في الزمان، فكذلك العلة التي علل بها النبي الزيارة وهي تذكرة الآخرة، وهذه العلة ليست مقصورة على وقت دون وقت، بل هي مطلوبة في كل حين، يقول الله تعالى آمرًا بالذكر في كل الأحوال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱذْكُرُوا ٱللَّهَ ذِكْرًۭا كَثِيرًۭا ٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]. فمن ذهب إلى كراهة الزيارة في العيد بدعوى أنه يوم فرح، فقد قيد مطلقًا وخصص عامًا بغير دليل، وهذا هو عين الابتداع في الدين، لأن البدعة كما تكون بزيادة ما ليس من الدين، تكون أيضًا بنقص ما هو منه بغير دليل.
● ثانيًا: استحباب الزيارة في الأوقات الفاضلة هو الأصل
لقد نص الفقهاء على استحباب زيارة القبور في أيام مخصوصة لها فضل على غيرها، كيوم الجمعة، والعيدين من باب أولى؛ لأن بركتهما عظيمة ورجاء القبول فيهما كبير. وهذا الاستحباب مبني على أن الزيارة في هذه الأيام الفاضلة هي من جنس الزيارة المطلقة، لكن يُرجى فيها من الثواب وقبول الدعاء ما لا يرجى في غيرها. وإليكم بعض النقول التي تؤكد هذا المعنى:
•قال العلَّامة المُناوي في “فيض القدير” (4/ 67، ط. المكتبة التجارية): [ليس للقلوب -سيَّما القاسية- أنفعُ من زيارةِ القبور، فزيارتها وذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب، وزيارة القبور تبلغ في دفع رين القلب واستحكام دواعي الذنب ما لا يبلغه غيرها] اهـ.
•قال العلامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته “رد المحتار على الدر المختار” (2/ 242، ط. دار الفكر): [(قوله: وبزيارة القبور): أي لا بأس بها، بل تندب.. وتزار في كل أسبوع كما في مختارات النوازل. قال في “شرح لباب المناسك”: إلا أن الأفضل يوم الجمعة والسبت والاثنين والخميس، فقد قال محمد بن واسع: الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده، فتحصل أن يوم الجمعة أفضل] اهـ.
•وقال الشيخ العدوي المالكي في “حاشيته على شرح مختصر خليل” (2/ 135، ط. دار الفكر): [(قوله: أو في التعيين كيوم الجمعة) انظره مع ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ، وَكُتِبَ بَرًّا» وعن بعضهم أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده… (أقول) ويمكن الجواب عن الشارح بأنه عبر بالتعيين، فحاصل كلامه: أن يوم الجمعة لا يتعين للزيارة فيه، إلا أنه وإن كان لا يتعين إلا أنه أفضل من غيره] اهـ.
وهذه النقول تدل بوضوح على أن للفقهاء سابقة في استحباب الزيارة في أوقات معينة لفضلها، ولم يعدوه بدعة، فكذلك يوم العيد.
● ثالثًا: فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ما يدل على المشروعية
لقد كان من هديه صلى الله عليه وآله وسلم في العيد أن يخالف الطريق، فيذهب من طريق ويرجع من آخر. وقد ذكر شراح الحديث أن من جملة الحكم من فعله ذلك أن يسلم على أهل القبور ويدعو لهم، وفي هذا دلالة واضحة على أن زيارة القبور لا تتنافى مع بهجة العيد وفرحته، وإلا لما قصدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا اليوم.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: “كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق”
<أخرجه الإمام البخاري في “صحيحه”>.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أخذ يوم عيد في طريق، ثم رجع من طريق آخر”
<أخرجه أبو داود والدارمي في “السنن”، والحاكم في “المستدرك”، والبيهقي في “السنن”>.
قال الإمام الرافعي [ت623هـ] في “العزيز شرح الوجيز” (2/ 365، ط. دار الكتب العلمية): [وروي أن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم: “كَانَ يَغْدُو يَومَ الْفطرِ وَالأَضْحَى فِي طَرِيقٍ، وَيَرْجِعِ فِي طَرِيقٍ”.
واختلفوا في سببه؛ قيل: ليتبرك به أهل الطَّريقين، وقيل: ليُستفتى فيهما، وقيل: ليتصدق على فقرائهما، وقيل: ليزور قبور أقاربه فيهما، وقيل: ليشهد له الطريقان] اهـ.
وقال العلامة شمس الدين الكرماني [ت786هـ] في “الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري” (6/ 86، ط. دار إحياء التراث العربي): [(وخالف الطريق) أي كان الرجوع في غير طريق الذهاب إلى المصلى، والحكمة فيه: أن يشمل أهل الطريقين بركته وبركة من معه من المؤمنين، أو أن يستفتي أهلُهما منه، أو أن يدعو لأهل قبورهما، أو أن يتصدق على فقرائهما] اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” (2/ 473، ط. دار المعرفة): [وقد اختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، اجتمع لي منها أكثر من عشرين، وقد لخصتها وبينت الواهي منها]، ثم ذكر مما اعتمده من تلك المعاني ولم يضعفه: [وقيل: ليزور أقاربه الأحياء والأموات] اهـ.
فقد اعتبر هؤلاء الأئمة الأعلام أن من مقاصد النبي الكريم من مخالفة الطريق في يوم العيد زيارة القبور، مما يؤكد أن هذا الفعل لا يتعارض مع روحانية اليوم، بل هو جزء من بركته. ولم ينكر أحد من العلماء المعتبرين هذا الوجه، بل هو وارد في معرض الاستدلال على الحكمة، مما يجعله دليلًا قويًا على المشروعية.
● رابعًا: صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة العيد في مقبرة البقيع
وهذا دليل ناصع على عدم وجود أي تعارض بين بهجة العيد وزيارة القبور والتواجد فيها. فلو كان الذهاب إلى المقابر مكروهًا في هذا اليوم، لكان النبي أحرى بتجنبه واختيار مكان آخر للصلاة.
فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خَرَجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ أضحًى إلى البَقيعِ، فصَلَّى رَكعَتَينِ، ثُمَّ أقبَلَ علينا بوجههِ، وقال: إنَّ أوَّلَ نُسُكِنا في يَومِنا هذا أن نَبدَأَ بالصَّلاةِ، ثُمَّ نَرجِعَ، فنَنحَرَ، فمَن فعَلَ ذلك فقد وافَقَ سُنَّتَنا، ومَن ذَبَحَ قَبلَ ذلك فإنَّما هو شيءٌ عَجَّلَه لأهلِه ليس مِنَ النُّسُكِ في شيءٍ، فقامَ رَجُلٌ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي ذَبَحتُ وعِندي جَذَعةٌ خَيرٌ مِن مُسِنَّةٍ؟ قال: اذبَحْها، ولا تَفي عن أحَدٍ بَعدَكَ.
<أخرجه البخاري (976)، ومسلم (1961) بنحوه
>.
وعن الشعبي، قال: “كُنِسَ البقيع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم فطر أو أضحى”
<أخرجه أبو داود في “المراسيل” وعبد الحق الإشبيلي في “الأحكام الوسطى”، والمزي في “تحفة الأشراف”>.
قال العلامة القسطلاني في “إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري” (2/ 221، ط. المطبعة الكبر الأميرية): [(خرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يوم أضحى) وللأصيلي: يوم الأضحى إلى البقيع، مقبرة المدينة (فصلّى العيد ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه) الكريم] اهـ.
● خامسًا: الرد على دعوى أن الزيارة تجدد الأحزان وتنافي الفرح
اعترض البعض بأن زيارة القبور تثير الأحزان، ويوم العيد يوم فرح وسرور، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أيام التشريق: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».
<رواه مسلم>.
والجواب عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: ليس كل حزن مذمومًا أو منهيًا عنه، بل بكاء الرقة والرحمة والحنين أمر فطري لا يتنافى مع الإيمان، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن زيارته للقبور: «فَإِنَّهَا تُرِقُّ الْقُلُوبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ». فهذا البكاء من خشية الله وتذكر الآخرة محمود، وليس من البكاء المنهي عنه.
الوجه الثاني: تذكر الموت وأهواله لا ينغص فرحة المؤمن الحقيقية، بل يهذبها ويجعلها فرحة شاكرة غير بطرية، ويدفعه للعمل الصالح. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. فالفرح الحقيقي هو برحمة الله وفضله، وتذكر الآخرة يدفع للعمل الصالح الذي به تنال الرحمة.
الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه زار القبور في أيام نصر وفرح، وزار قبر أمه في فتح مكة، وهذا يدل على أن الجمع بين الفرح بالنعمة الظاهرة والباطنة وزيارة القبور أمر واقع في سنته الشريفة.
فعن بريدة رضي الله عنه قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة أتى حرم قبر فجلس إليه، فجعل كهيئة المخاطب، وجلس الناس حوله، فقام وهو يبكي، فتلقاه عمر رضي الله عنه وكان من أجرأ الناس عليه فقال: بأبي أنت وأمي، يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ قال: «هَذَا قَبْرُ أُمِّي؛ سَأَلْتُ رَبِّي الزِّيَارَةَ فَأَذِنَ لِي، وَسَأَلْتُهُ الِاسْتِغْفَارَ فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَذَكَرْتُهَا فَذَرَفَتْ نَفْسِي فَبَكَيْتُ»
<رواه ابن أبي شيبة في “مصنفه”، والإمام أحمد في “مسنده”، وابن شبة في “تاريخ المدينة”، والطبراني في “المعجم الكبير”>.
وختامًا لهذا المذهب، نستدل بما قاله العلامة ابن الأثير في “الكامل في التاريخ” (4/ 353، ط. دار الكتاب العربي) عن استمرار عادة المسلمين عبر العصور: [وكان شاعره أبو بكر بن اللبانة يأتيه وهو مسجون… فلما توفي أتاه، فوقف على قبره يوم عيد، والناس عند قبور أهليهم] اهـ. وهذا يدل على أنها عادة إسلامية متوارثة لم ينكرها العلماء المعتبرون.
المذهب الثاني: كراهية تخصيص يوم العيد بالزيارة واعتباره بدعة
ذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن تخصيص يوم العيد بزيارة القبور، أو المداومة عليها بشكل يجعلها شعارًا لليوم، هو أمر غير مشروع، قد يصل إلى درجة البدعة. وهم في هذا لا يمنعون أصل الزيارة في أي وقت، ولكنهم ينكرون التخصيص الزماني بدون دليل، أو ما قد يترتب على هذه العادة من مخالفات شرعية.
ويستند هذا المذهب إلى جملة من الأدلة والاعتبارات:
● أولًا: أن الأصل في العبادات التوقيف وعدم التخصيص
وهذه قاعدة أصولية كلية، إذ أن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله. وتخصيص يوم بعينه أو وقت بعينه بعبادة ما، يجعلها شعيرة لذلك الوقت، وهذا يحتاج إلى دليل خاص. فزيارة القبور مشروعة مطلقًا، أما جعلها من شعائر يوم العيد، فهذا ما لم يرد به دليل.
وقد نص على هذه القاعدة عدد من أهل العلم المعاصرين:
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء: [وتخصيص زيارة القبور بالأعياد بدعة، سواء كان ذلك من الرجال أو النساء] اهـ.
وقال بها أيضًا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حين سئل عن خروج الناس للقبور جماعة بعد صلاة العيد، فأجاب:
“ليس لهذا أصل، الخروج للقبور صلاة العيد إنما هي عادة لبعض الناس، فإذا زاروا القبور يوم العيد، أو يوم الجمعة، أو في أي يوم ما في يوم مخصوص، تخصيص يوم العيد، أو تخصيص الجمعة، أو تخصيص يوم آخر لا، ليس له أصل، ولكن السنة أن يزوروا القبور دائمًا بين وقت وآخر على حسب التيسير، إذا كان وقتهم يسمح في يوم الجمعة، في يوم العيد، في أوقات أخرى؛ يفعلون، أما أن يظنوا أن لهذا اليوم خصوصية؛ فلا، لكن السنة أن يزوروا القبور عندما يتيسر ذلك؛ لقوله ﷺ: زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة. وكان يزورها -عليه الصلاة والسلام- ويدعو لأهلها، فلا فرق بين يوم العيد، أو الجمعة، أو الخميس، أو غير ذلك، ليس لهذا وقت معروف فيما نعلم.
ويظهر جليًا أن المنع في هذا المذهب ليس لأصل الزيارة، بل لخشية أن يعتقد الناس أن لها خصوصية وسنة في هذا اليوم لم تثبت، وهذا ما يسمى بـ “البدعة الإضافية” وهي ما كان مشروعًا بأصله، لكن وقع الخلل في وصفه أو زمانه أو مكانه.
● ثانيًا: أن يوم العيد يوم فرح وسرور، والمقابر محل عبرة وادكار
ومما استدلوا به أن يوم العيد هو يوم إظهار الفرح والشكر لله على نعمة إتمام العبادة، سواء صيام رمضان أو الحج.
وقد سماه النبي يوم أكل وشرب، مما يدل على أنه يوم توسعة وتوسيع على الأهل والعيال، وإدخال السرور عليهم. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟﴾ [يونس: 58]. فالذهاب إلى المقابر في هذا اليوم فيه إثارة للأحزان وتجديد للوعثاء، مما قد ينغص فرحة العيد التي أمر الشرع بإظهارها. وقد سئل موقع إسلام ويب عن هذه المسألة، فأجاب:
“تخصيص زيارة القبور بيوم العيد وإن لم يرد فيه نهى بعينه فإنه يعتبر من البدع لأنه تخصيص لم يأت به الشرع. فزيارة القبور مشروعة في كل وقت للاتعاظ وأخذ العبرة والدعاء للأموات، وتخصيصها بزمن معين يوهم لدى البعض بأن الزيارة في ذلك الزمن سنة مشروعة، فيعتقدون مشروعية ما لم يرد به الشرع.
● ثالثًا: أن في زيارة المقابر جماعة في الأعياد ذريعة لكثير من المحظورات
ومما قووا به رأيهم أن الزيارة في هذه الأيام تكثر فيها المخالفات الشرعية، وخصوصًا من النساء اللواتي قد يذهبن للنياحة أو التبرج أو الاختلاط، وما كان وسيلة إلى محرم فهو محرم. وهذا من باب سد الذرائع.
● رابعًا: الرد على الاستدلال بمخالفة النبي للطريق
أما عن الاستدلال بمخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للطريق، فيقول أصحاب هذا المذهب إن هذه مجرد حكمة ظنية قالها بعض العلماء، وليست نصًا صريحًا في أنه كان يقصد زيارة القبور. ثم إن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحد، ولا يدل على مداومته على ذلك، والمداومة والتخصيص هو ما يصيّر الأمر سنة.
أما صلاته في البقيع، فيمكن أن تكون لضرورة أو لمصلحة راجحة وليست سنة دائمة، والأصل في الصلاة في المقابر هو النهي، فيكون هذا الفعل خاصًا به أو لعارض.
مناقشة فكرة سد الذريعة والموازنة بين المذهبين
بعد عرض المذهبين وأدلتهما، نجد أن الخلاف يدور حول نقطة محورية: هل التخصيص هو مجرد الذهاب في هذا اليوم لانشغال الناس في غيره، أم أنه قصد عبادة مخصوصة؟
• أصحاب المذهب الأول لا يقرون بأن زيارة القبور في العيد لها فضل خاص من حيث الأصل، لكنهم يقولون إن فضل اليوم عمومًا يشمل كل عمل صالح فيه، ومنها الزيارة، وهذا لا يسمى تخصيصًا بدعيًا.
وأما مسألة سد الذرائع فإنهم يرون أن الذرائع والمخالفات تُزال بذاتها، ولا يصح أن نمنع سنة ثابتة من أجل مخالفات تعتريها عند بعض الناس، فإن هذا يفضي إلى منع خير كثير، فكم في الأعياد من مخالفات في الأسواق والملاهي ومع ذلك لم نقل بمنع الخروج للصلاة أو التوسعة على الأهل. فالمحظور يعالج بمنع المحظور نفسه، لا بإلغاء السنة المشروعة.
• أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يحتاطون للدين أشد الاحتياط، ويخشون من أن تتحول هذه العادة إلى بدعة مع مرور الزمن، خصوصًا إذا اعتقد العامة أن من تمام العيد زيارة القبور، وأن من لم يفعلها فقد قصر. وهم يرون أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض.
المحظورات الشرعية التي تجب مراعاتها في زيارة القبور (موطن اتفاق)
سواء ذهبنا إلى مذهب الاستحباب أو الكراهة للتعيين، فإن الجميع متفقون على وجوب مراعاة الآداب الشرعية عند زيارة القبور، وأن الزيارة تُقلَب إلى إثم إن صاحبتها محظورات. وهذه المحظورات منها ما هو عام في كل وقت، ومنها ما قد يكثر في مواسم الأعياد.
“وليعلم أن نفع الميت والتخفيف عنه له وسائل مشروعة من أهمها: الدعاء والاستغفار له، والصدقة عنه، وأداء الحقوق التي عليه.
«ويجب الحذر من ارتكاب المخالفات الشرعية في المقابر، كالاختلاط بالرجال، والتبرج المحرم، وكشف العورات، ومصافحة الرجال الأجانب، فهذه وإن كانت ممنوعةً في كل مكان وزمان، إلا أن ارتكاب الحرام عند مواطن العظة أشد فحشًا وتحريمًا».
فالذي يُتفق عليه هو أن من زار القبور فليحسن الظن بموتى المسلمين، وليدع لهم بالمغفرة والرحمة، وليتجنب النياحة والندب والتلفظ بالألفاظ الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌۭ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 154]، فكيف بمن يجزع ويسخط على أقدار الله؟!
الخاتمة:
بعد هذا التطواف الفقهي والأصولي في رحاب مسألة زيارة المقابر في يوم العيد، وقد بسطنا القول في حكم الزيارة مطلقًا، ثم في خصوص تقييدها بيوم العيد، ووقفنا على مذهبي العلماء في ذلك، وما احتج به كل فريق من أدلة النقل والنظر، وما دار بينهم من مناقشات أصولية ومقاصدية، نستطيع أن نجمل خلاصة هذا البحث في كلمات جامعة ترفع اللبس وتوضح المنهج.
1. زيارة القبور في أصلها هي سنة نبوية شريفة، حث عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورغّب فيها، وهي مندوبة للرجال في جميع الأوقات، لما فيها من تذكرة الآخرة وترقيق القلوب والدعاء للموتى. وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
2. أما زيارتها في يوم العيد تحديدًا، فالراجح – والله أعلم – هو القول بجوازها واستحبابها، لأن الأمر بالزيارة جاء مطلقًا، فيشمل كل الأوقات بما فيها يوم العيد. وليس في الشرع ما ينهى عن ذلك، بل إن الأدلة على الجواز قوية، ومنها مخالفة النبي للطريق في العيد، وصلاته في البقيع، وزيارته لقبر أمه في يوم فتح مكة وهو يوم عيد وفرح.
3. التفريق بين النية والعمل هو الفيصل: فمن زار القبور في العيد معتقدًا أن للزيارة في هذا اليوم خصوصية فضل وثواب معين كفضل زيارة يوم عرفة مثلًا، فهذا التخصيص بدعة لا أصل له، لأنه تشريع لم يأذن به الله.
وأما من زارها لأنه وجد في هذا اليوم فرصة وسعة من الوقت، واجتمعت به أسرته، فقصد بذلك الدعاء للميت وصلة الرحم والاعتبار، ولم يعتقد خصوصية للوقت، فإن زيارته هذه تندرج تحت عموم السنة، وهو مأجور عليها بإذن الله. وهذا التفريق هو ما قررته دار الإفتاء المصرية في فتواها المحكمة وهو عين الفقه.
4. وجوب تجنب المحظورات: ويبقى التأكيد على أن زيارة القبور عبادة عظيمة، يجب أن تُصان عن كل ما يشينها من بدع وأهواء وأعمال جاهلية، كالنياحة والصراخ والتبرج والاختلاط المحرم، فإن وجود هذه المحظورات يحول الزيارة من قربة إلى معصية. فليتق اللهَ كلُ مسلم، وليجعل زيارته للقبور عبادة خالصة لله، على هدي كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
٥- إن الشريعة الغراء جاءت بجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها. والواجب على المسلمين إذا وجدوا في زيارتهم للقبور بعض المخالفات الشرعية، كاختلاط الرجال بالنساء بلا ضابط، أو التبرج، أو النياحة والصراخ وقول الهُجر، أن يسعوا في إصلاح ذلك وتقويمه بالحكمة والموعظة الحسنة، لا أن يُحرِّموا ما أحل الله، أو يُبدِّعوا ما هو من السنة بحجة سد الذرائع. فالممنوع يُمنع، والمشروع يُقر على مشروعيته، ولا يصح أن يُصار إلى إلغاء السنن من أجل أخطاء المخطئين.
٦- إن مما ينبغي التنبه إليه أن الخلاف في هذه المسألة، إذا كان من قبيل الاجتهاد السائغ، لا يوجب التشنيع على المخالف ولا التبديع له، ولا اتخاذ هذه المسائل مثار فرقة وشقاق بين المسلمين. بل يسعنا ما وسع فقهاء الأمة، ويُحمل قول كلِّ عالم على أحسن المحامل، وتُتبع الدلائل حيث كانت، فإذا بان الدليل اتُّبع، وإن خفي اجتهد كلٌّ في ضوئه، واجتمع الجميع على أصل المودة والأخوة. قال الله تعالى: ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟﴾ [آل عمران: 103].
٧- لنذكر أنفسنا وإخواننا أن هذه القبور التي نزورها إنما هي محط رحالنا غدًا، وأن من فيها إخوان لنا في الدين، سبقونا بالإيمان، ونحن في آثارهم سائرون. فينبغي أن تكون زيارتنا لهم زيارة رحمة ودعاء، لا زيارة نياحة وبكاء وعويل، وأن نستحضر أنهم ينتفعون بصدقاتنا ودعواتنا واستغفارنا، لا بشق جيوبنا ولطم خدودنا.
فلنحرص ـ هدانا الله وإياكم ـ على أن نجعل زيارتنا للقبور عبادة خالصة لله، على وفق ما شرع، بعيدة عن الأهواء والبدع، موصولة بحسن الظن بالله وبأموات المسلمين، سائلين الله لهم العفو والعافية، ولنا حسن الختام وطيب المقام.
ونسأل الله أن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، وأن يلهمنا رشدنا.
آمين يارب العالمين






